السرخسي
216
أصول السرخسي
العباد لا تكون هي حجة لأحد الخصمين على الآخر في الدفع ولا في الايجاب لا في الابقاء ولا في الاثبات ابتداء . فأما الفريق الأول احتجوا وقالوا : أقوى المناظرة ما يكون في إثبات التوحيد وفي أمور النبوة ، فقد علمنا الله تعالى الاحتجاج بلا دليل على نفي الشرك بقوله : * ( ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ) * ورسول الله ( ص ) كان يجادل المشركين في إثبات نبوته ، وكانوا ينفون ذلك وهو يثبت ، ثم كانوا لا يطالبون على هذا النفي بشئ فوق قولهم لا دليل على نبوته ، واشتغل بعد جحودهم بإثبات نبوته بالآيات المعجزة ، والبراهين القاطعة ، فعرفنا بهذا أن لا دليل حجة للنافي على خصمه إلى أن يثبت الخصم ما يدعي ثبوته بالدليل ، وهذا لان النافي إنما لا يطالب بدليل لكونه متمسكا بالأصل وهو عدم الدليل الموجب أو المانع والمحرم أو المبيح ، ووجوب التمسك بالأصل إلى أن يظهر الدليل المغير له طريق في الشرع ، ولهذا جعل الشرع البينة في جانب المدعي لا في جانب المنكر ، لأنه متمسك بالأصل وهو أنه لا حق للغير في ذمته ولا في يده وذلك حجة له على خصمه في الكف عن التعرض له ما لم يقم الدليل ، وأيد ما ذكرنا قوله تعالى : * ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ) * الآية ، فقد علم نبيه عليه السلام الاحتجاج بعدم الدليل الموجب للحرمة على الذين كانوا يثبتون الحرمة في أشياء كالسائبة والوصيلة والحام والبحيرة ، فثبت بهذا أن لا دليل حجة للنافي على خصمه . وهذا الذي ذهبوا إليه غير موافق لشئ من العلل المنقولة عن السلف في نفي الحكم وإثباته وهو ينتهي إلى الجهل أيضا ، فإنا نقول لهذا القائل : لا دليل على الاثبات عندك أو عند غيرك فإن خصمك يدعي قيام الدليل عنده ، وكما أن دعواه الدليل عنده لا يكون حجة عليك حتى تبرزه فدعواك عليه أن لا دليل عندي لا يكون حجة عليه ، وإن قلت لا دليل عندي فهذا إقرار منك بالجهل والتقصير في الطلب ، فكيف يكون حجة على غيرك ! وإن انعدم منك التقصير في الطلب فأنت معذور إذا لم تقف على الدليل وعذرك لا يكون